ابن أبي الحديد

71

شرح نهج البلاغة

وهي قوله عليه السلام ( وكل قائم فيما سواه معلول ) لأنها للاعراض خاصة ، فيدخل أحد مدلول الفقرتين في الأخرى ، فيختل النظم . قلت يريد عليه السلام بالفقرة الأولى كل معروف بنفسه من طريق المشاهدة مستقلا بذاته ، غير مفتقر في تقومه إلى غيره فهو مصنوع ، وهذا يختص بالأجسام خاصة ، ولا يدخل الألوان وغيرها من الاعراض فيه ، لأنها متقومة بمحالها . وخامسها قوله ( وكل قائم في سواه معلول ) ، أي وكل شئ يتقوم بغيره فهو معلول ، وهذا حق لا محالة ، كالأعراض ; لأنها لو كانت واجبة لاستغنت في تقومها عن سواها ، لكنها مفتقرة إلى المحل الذي يتقوم به ذواتها ; فإذا هي معلولة ، لان كل مفتقر إلى الغير فهو ممكن فلا بد له من مؤثر . وسادسها قوله ( فاعل لا باضطراب آلة ) هذا لبيان الفرق بينه وبيننا ، فإننا نفعل بالآلات وهو سبحانه قادر لذاته فاستغنى عن الآلة . وسابعها قوله ( مقدر لا بجول فكرة ) ، هذا أيضا للفرق بيننا وبينه ، لأنا إذا قدرنا أجلنا أفكارنا ، وترددت بنا الدواعي ، وهو سبحانه يقدر الأشياء على خلاف ذلك . وثامنها قوله ( غنى لا باستفادة ) ، هذا أيضا للفرق بيننا وبينه ، لان الغنى منا من يستفيد الغنى بسبب خارجي ، وهو سبحانه غني بذاته من غير استفادة أمر يصير به غنيا ، والمراد بكونه غنيا أن كل شئ من الأشياء يحتاج إليه ، وانه سبحانه لا يحتاج إلى شئ من الأشياء أصلا . وتاسعها قوله ( لا تصحبه الأوقات ) ، هذا بحث شريف جدا ، وذلك لأنه سبحانه ليس بزمان ولا قابل للحركة ، فذاته فوق الزمان والدهر ; اما المتكلمون فإنهم يقولون :